عبد الوهاب الشعراني
273
الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )
إليه تربية المريدين بالشام واحترمه العلماء والمشايخ وبجلوه وقصده الزائرون من كل فج عميق ومن كلامه رضي اللّه عنه مشاهدة العارف تفيده تمكين التحكيم في الجمع وبروز التفرقة في الاطلاع لأن العارف وأصل إلا أنه ترد عليه أسرار اللّه تعالى جملة كلية فهو مصطلم بأنوارها مستغرق في بحارها مستهلك في تنزيلها . وكان رضي اللّه عنه يقول : العارف من جعل اللّه تعالى في قلبه لوحا منقوشا بأسرار الموجودات وبإمداده بأنوار حق اليقين يدرك حقائق تلك السطور على اختلاف أطوارها ويدرك أسرار الأفعال فلا تتحرك حركة ظاهرة أو باطنة في الملك والملكوت إلا ويكشف اللّه تعالى له عن بصيرة إيمانية وعين عيانه فيشهدها علما وكشفا ، وهذا هو الذي يصعد بسره في أكوان الملكوت ، كالشمس فلا يطاق النظر إليه وصفته أن يكمل الأعمال بالعلم والأحوال بالسر ، وهو على ثلاثة أقسام : حاضر وغائب وغريب ، فالحاضر بلطائف العلم والغائب بشواهد الحقيقة والغريب هو من انقطع السبب بينه وبين من سواءه ، فمن قابله بغير نفسه احترق ، وحقيقة الغربة سقوط الأين ومحو الرسم ، قال اللّه تعالى : وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ « 1 » ، وعلامته أن يكشف له تعالى الأسباب ويرتفع عنه الحجاب ويطلعه اللّه تعالى على بواطن الأمور كشفا وفراسة فبالكشف يدركها جملة وبالفراسة يدركها تفصيلا على أصل الوضع وحقيقة الرسم فيخاطب الأرواح من حيث وضعها ويخاطب الأجسام من حيث تركيبها ويشير إلى العلم برموز الإشارة ويفهم كشف العبارة . وكان يقول : الحدة مفتاح كل شر ، والغضب يقيمك في مقام ذل الاعتذار . وكان رضي اللّه عنه يقول : مكارم الأخلاق العفو عند القدرة والتواضع في الذلة والعطاء بغير منة . وكان رضي اللّه عنه يقول : إذا قدرت على عدوك فاجعل العفو عنه شكرا لقدرتك عليه . وكان رضي اللّه عنه يقول : الكريم من احتمل الأذى ولم يشك عند البلوى . وكان رضي اللّه عنه يقول : أحسن المكارم عفو المقتدر وجود المفتقر .
--> ( 1 ) سورة النساء : الآية 100 .